محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

301

الآداب الشرعية والمنح المرعية

كتابة وعمالة وجباية خراج وقسمة فيء وغنيمة وحفظ ذلك ونقله إلا ضرورة قال في الرعاية الكبرى : ولا يكون بوابا ولا جلادا ونحوهما . وعن أبي موسى الأشعري أنه اتخذ كاتبا نصرانيا فانتهره عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وعن عمر أيضا أنه قال : لا ترفعوهم إذا وضعهم الله ، ولا تعزوهم إذا أذلهم الله ، ولأن في الاستعانة بهم في ذلك من المفسدة ما لا يخفى وهي ما يلزم عادة أو ما يفضى إليه من تصديرهم في المجالس ، والقيام لهم وجلوسهم فوق المسلمين وابتدائهم بالسلام أو ما في معناه ورده عليهم على غير الوجه الشرعي وأكلهم من أموال المسلمين ما أمكنهم لخيانتهم واعتقادهم حلها وغير ذلك ، ولأنه إذا منع من الاستعانة بهم في الجهاد مع حسن رأيهم في المسلمين والأمن منهم وقوة المسلمين على المجموع لا سيما مع الحاجة إليهم على قول فهذا في معناه وأولى للزومه وإفضائه إلى ما تقدم من المحرمات بخلاف هذا ، وبهذا يظهر التحريم هنا وإن لم تحرم الاستعانة بهم على القتال ، وقد نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتخذوا الكفار بطانة لهم فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [ سورة آل عمران : الآية 118 ] . وبطانة الرجل تشبيهه ببطانة الثوب الذي يلي بطنه لأنهم يستنبطون أمره ويطلعون عليه بخلاف غيرهم ، وقوله : مِنْ دُونِكُمْ أي من غير أهل ملتكم ثم قال تعالى : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [ سورة آل عمران : الآية 118 ] . أي لا يبقون غاية في إلقائكم فيما يضركم والخبال الشر والفساد . وَدُّوا ما عَنِتُّمْ [ سورة آل عمران : الآية 118 ] . أي يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك ، والعنت المشقة يقال : فلان يعنث فلان أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه . قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ سورة آل عمران : الآية 118 ] . قيل بالشتم والوقيعة في المسلمين ومخالفة دينكم ، وقيل باطلاع المشركين على أسرار المؤمنين . وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ أي أعظم قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ سورة آل عمران : الآية 118 ] . قال القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا : وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه : لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب ، وقد جعل الشيخ موفق الدين رحمه الله هذه المسألة أصلا في اشتراط الإسلام في عامل الزكاة فدل على أنها محل وفاق . وقال الإمام أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب وقد سأله : يستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج ؟ فقال : لا يستعان بهم في شيء . فانظر إلى هذا العموم من الإمام أحمد نظرا منه إلى ردئ المفاسد الحاصلة بذلك وإعدامها وهي وإن لم تكن لازمة من ولايتهم ولا ريب في لزومها فلا ريب في إفضائها إلى ذلك ، ومن مذهبه اعتبار الوسائل والذرائع وتحصيلا للمأمور به شرعا من إذلالهم وإهانتهم والتضييق عليهم وإذا أمر الشارع عليه